من الأسباب التي أعتقد أنها ساهمت في خلق فريق استطاع أخيرًا أن يوقف نزيف البطولات الدولية لدى ميسي هي خلوه من اللاعبين النجوم! نعم، هو ما قرأته بالضبط! ستسألني كيف؟ الإجابة بسيطة من وجهة نظري.
إذا نظرت إلى لاعبي المنتخب الأرجنتيني فلن تجد فيه اسمًا لامعًا إذا استثنينا دي ماريا (الذي طالما تواجد مع ليو في المنتخب)، وديبالا (الاحتياطي أصلا في هذا المونديال)، وربما لاعب أو اثنان غيرهما. ربما تجهل البقية أساسًا، ولو أجريت اختبارًا مفاجئًا الآن (حتى بعد نهاية المونديال وتتويج الأرجنتين) وسألتك عن أسماء من شاركوا في هذا المونديال أو عرضت صورهم عليك وطلبت منك تسميتهم لعجزت عن تذكر أسماء معظمهم! وهذا هو السر والله أعلم. وجود لاعبين هم في حقيقة الأمر عبارة عن نكرات (بالمعنى الكروي طبعًا) يعني عدة أشياء، لكن أهمها هو إنكار الذات تمامًا، والتركيز على هدف واحد فقط: مساعدة ميسي لتحقيق هدفه فقط، فقط لا غير! ساهم هذا الأمر بشكل كبير في خلق بيئة أشبه بالعسكرية داخل معسكر الأرجنتين، وأصبحت غرفة ملابسهم وكأنها غرفة عمليات لقيادة كتيبة من كتائب الجيش، وليس فريق كرة قدم! منتخب الأرجنتين احتوى على مجموعة من الجنود وليس اللاعبين!
اقرأ تصريحات دي پول والحارس مارتينيز وغيرهم، وشاهد كيف يدافعون عن ميسي وكأنه نبي مرسل أو قديس منزه، وستستوعب أن هؤلاء لديهم همٌّ واحد في هذه الحياة: أن ينتصر قائدنا في معركته فقط لا غير. هؤلاء المقاتلون صرحوا منذ زمن أنهم مستعدون للموت من أجل ميسي، وفي حالتهم هذه تحديدًا، أنا أصدقهم تمامًا وأوقن أنهم لا يبالغون! لا يهم مقدار التضحية التي سأقدمها كلاعب، لن أخاف على اسمي وسمعتي، لن أبالي بأقدامي ولا بصحتي ولا بمنظري أمام الشاشات ولا تسريحة شعري ولا التاتو الجديد الذي أريد إظهاره للعالم، ولا انتماءاتي السياسية ولا الفكرية ولا رغبتي في جذب عروض احترافية من أندية كبيرة، ولا عائلتي ولا خلافاتي الشخصية مع فلان وعلان، ولا الدراما التي تحصل بين اللاعبين وبعضهم أو الجهاز الإداري أو التدريبي أو غيرهم. كل الأحمال الثقيلة التي يأتي بها اللاعبون النجوم من حب ظهور وأنانية وغيرة وحرص وخوف، والكثير الكثير من الحسابات والمبالغة في التفكير قبل كل كرة وقبل كل تدخل وقبل كل مغامرة، كل هذا ضرب به أبناء الأرجنتين عرض الحائط -بقصد أو دون قصد - وتخلصوا منه قبل أن يبدوؤا حربهم الضروس.
ارجع إلى مباريات كوپا أمريكا في النسخ القليلة الماضية، وشاهد كيف كان منتخب الأرجنتين بلاعبيه الفنانين والمهاريين وأصحاب الأقدام الذهبية ضحيةً لتقريع خصوم مثل بيرو وبوليفيا وتشيلي والأورغواي وغيرهم، وكيف مورست عليهم كل أنواع الترهيب البدني والعنف والضرب فوق الحزام وتحته، وكيف كانت ردة فعلهم الوحيدة هي الارتماء على الأرض من شدة الألم. قارن هذا بما حدث في كوبا أمريكا ٢٠٢١، وانظر كيف تحول منتخب الأرجنتين (بما فيهم ميسي) إلى مجموعة من البلطجية المتنمرين الذين يبادرونك بالعنف قبل أن تحاول حتى البدء به! وكيف أصبح الواحد فيهم يقوم بالتحامات طائشة وتدخلات انتحارية، ثم يقوم بعدها وكأن شيئًا لم يكن، تاركًا خصمه يتلوى على الأرض وهو ممسك بقدمه التي تكاد تنقسم إلى نصفين! من يفعل هذا -صدقني - لا يهمه ما ستكتب عنه الصحافة غدًا، ولا ما سيقوله عنه المحلل الفني س ولا كشَّاف الأندية ص. كذلك فعل أبناء بلاد الفضة في كأس العالم، وما مباراة هولندا وعقلية اللا تراجع التي ظهر بها جميع أفراد المنتخب إلا مثال على ذلك، وهذا لا يساعدك في الحفاظ على التوازن الذهني ورفض أي محاولة ترهيب من خصمك فحسب، بل يمكنك أيضًا من تطبيق الخطط التكتيكية التي رسمها الجهاز الفني على أرض الملعب دون الخضوع لعوامل بدنية أو نفسية يحاول الخصم فرضها عليك وتحجيم خططك بها.
يُنسَب إلى الإسكندر المقدوني قوله أن جيشًا من الخرفان يقوده أسد خيرٌ من جيش من الأسود يقوده خروف، ونحن في هذه الحالة إذا تحدثنا عن الروح والقتالية والاستعداد التام للتضحية بكل شيء وابتعدنا قليلاً عن المهارات الفنية والإمكانيات الإبداعية، فنحن بالتأكيد أمام جيش من الأسود يقوده أسد!
No comments:
Post a Comment